بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 13 يونيو 2010

الإعلام الموريتاني المقروء.. رؤية من الداخل

الشيخ داداه ولد آباه
cheikhdadah85@gmail.com


يعول المواطن الموريتاني في الوصول إلى المعلومة والوقوف على حيثياتها، على عشرات الصحف اليومية "المستقلة" والمواقع الالكترونية الأكثر "استقلالية" والتي تقدم خدمة إخبارية يرى القائمون عليها أنها تعتمد في صناعتها "الصدق" و "الحياد" و "الموضوعية" و "المهنية" بعيدا عن الميولات السياسية والإيديولوجية وتغليب الهوى، شأنهم في ذلك خدمة الوطن والمواطن بشكل عام والنهوض بالإعلام الموريتاني بشكل خاص، وذلك طبقا لتعريفات الصحافة المتعارف عليها باعتبارها مهنة البحث عن الحقائق ونشرها بطريقة رشيدة تنفع المجتمع وتنميه.
 
ولأن الأمر الواقع - على ما يبدوا لي - مختلف تماما عما كان يجب أن يكون عليه الإعلام الموريتاني المستقل اليوم، في ظل تطور وسائل الاتصال واحتكارها لسلطة التأثير في شريحة عريضة من المجتمع كان لا بد لي أن أقف – ولو وقفة بسيطة - مع الإعلام الموريتاني المستقل لإبراز حقيقته "المرة" والتنبيه على خطورة وضعه الحالي مساهمة مني في تنوير المجتمع الموريتاني الذي يتفرج عن كثب على إعلام تتحكم فيه بشدة ثنائية "الهوى" و"الزبونية"، دافعه في ذلك شغف البحث عن المعلومة الممزوج بحسن النية.
إن نظرة بسيطة إلى الإعلام الإلكتروني في موريتانيا – وما جعلني أخص الإعلام الإلكتروني عن الورقي لأن الأخير يعتمد بشكل أساسي على الأول أي أن الإعلام الورقي ما هو إلا نسخة طبق الأصل من الإعلام الإلكتروني – سيلحظ وبجلاء ما أريد أن أتحدث عنه من تحكم لثنائية الهوى والزبونية في هذا الإعلام الوليد، بحيث أن الإعلام "المستقل" في موريتانيا بات يخدم هوى القائمين عليه وانتماءاتهم السياسية والإيديولوجية الضيقة أكثر من خدمته للمواطن الذي أصبح حائرا بين معسكرات إعلامية – إذا صح التعبير – لا حصر لها.
منها الإعلام "النظامي" - أي الناطق باسم النظام – الذي لا يقدم من الأخبار والتقارير ولا حتى مقلات الرأي إلا ما يخدم "النظام الحاكم" ويروج لسياساته وحكمه "الرشيد"، وذلك بطريقة سافرة - للأسف- لم تعد تخفى على المواطنين الأغبياء أو "المتبهللين" على لغة بني حسان، أحرى أن يخفى عن ذوي البصائر، وفي مقابل هذا الخدمة المجانية التي يقدمها للنظام الحاكم تراه أيضا يصف المعارضة بأتفه الأوصاف ويصورها بأنها غول يريد أن يبتلع الدولة والمجتمع حتى تبقى أثرا بعد عين.
 ومنها الإعلام "المعارض" الذي لا يتورع من تسفيه أحلام النظام الحاكم في بناء الدولة والحكم الرشيد ورئاسة الفقراء - هذا إن اعترف له أصلا بوجود تلك الأحلام – وفي مقابل ذلك أيضا يسعى إلى وصف المعارضة بأنها الرقيب المتفاني والناصح الأمين والمخلص الأبدي من ويلات الاستبداد وسوء التسيير وما إلى ذلك من الأوصاف..
وفي خضم هذا الانتماء السياسي يأتي الانتماء الإيديولوجي الذي يزيد هو الآخر من هذا التقسيم ويوسع دائرة الهوية بين المؤسسات الإعلامية والمواطن مضيفا في الوقت نفسه تقسيمات جديدة للتقسيمات السالفة، بحيث تجد الإعلام الإسلامي والإعلام القومي، البعثي والناصري...إلخ
وبين هذه التقسيمات السياسية والإيديولوجية تضيع الحقيقية ويغيب الإعلام الموريتاني "المفترض" القائم على الصدق والحياد والموضوعية والمهنية ليبقى المواطن هو الضحية.
وبالتالي اصبح بإمكاننا القول بغياب "الحقيقية" وانعدام أثرها في مخرجات إعلامنا اليوم - وهذه حقيقية يجب أن يقر بها كل إعلامي موريتاني – كما يمكن القول أيضا بغياب الحياد والموضوعية والمهنية في التطبيقات والمعالجات الإعلامية.
وللتنويه فأنا لا أعارض أن تكون للمؤسسات الإعلامية في موريتانيا - وفي غيرها من دول العالم - هوية أو انتماء سياسيا أو إيديولوجيا وإنما الذي أعارضه هو أن تكون هذه الهوية على حساب الحقيقية.

إن الإعلام الموريتاني اليوم - وهذه حقيقة مرة – يمكن وصفه بأنه لعبة خطرة في يد "أطفال" مدللين، يلعبون بها بطريقة أقرب إلى اللعب بالنار منها إلى معالجات إعلامية هامة ومهمة، ولذلك هم مهرة في صناعة الأخبار الكاذبة ليتهجموا بها أحيانا على من شاءوا من عباد الله وبدون استحياء لا من الله ولا من الناس، وفي أحايين أخرى من أجل الترويج لهذه الفئة أو تلك.
والغريب في الأمر أن بعض الإعلاميين يدفعه الفضول إلى اختلاق أخبار كاذبة، فقط لأن مصادره الإخبارية – إن كانت موجودة أصلا – لم تسعفه في ذلك اليوم بخبر جديد وأحيانا أخرى بحجة الجري وراء السبق الإعلامي.
وليس ذلك فقط بل من المؤسسات الإعلامية من لا تتحرز من المساهمة في  تزوير التاريخ من خلال نشر بعض المقالات الكاذبة والمليئة بالمغالطات – هذا إذا كانت تخدم هويتها وفكرها وانتماءها السياسي – وذلك لأن الفكرة في نظر تلك المؤسسات الإعلامية - أو علة الأقل بعض القيمين علها - تجب خدمتها ولو بالكذب والتملق والتزوير، وليس هذا فقط بل تسعى بعض المؤسسات الإعلامية إلى التعتيم على كل الأخبار والمقالات التي تخدم جهة غير تلك التي تتبع لها هذه المؤسسة مخالفين بذلك مبدأ حرية الإعلام ومجهزين على ضرورة الانفتاح الإعلامي بما يخدم تنمية ورقي البلد.
إن وجود هذا النوع من الإعلام "الاستنساخي" أو إعلام "ملء الفراغ" أو الصحافة "الصفراء" أو "البشمركة" - سميه ما شئت - قد يكون طبيعيا - شيئا ما – إذا ما تعلق الأمر ببلد لا توجد به ولو كلية واحدة للإعلام وجل القائمين على مؤسساته الإعلامية هم من غير المتخصصين في هذا الفن بل مجرد حثالة من البشر احترفت الاقتيات من الإعلام وركوب أمواجه بحثا الشهرة والمنصب والجاه.
إن هذا الواقع المتردي للإعلام الموريتاني اليوم يجعل من المهم جدا الحديث أو المبادرة إلى إنشاء معهد أو كلية للإعلام في موريتانيا تعمل على تكوين الإعلاميين الموريتاني الحاليين وتخريج أطر إعلامية لاحقة قادرة على النهوض بالإعلام باعتباره نبض المجتمع ومرآته العاكسة، الشيء الذي سيساهم - بلاشك - في تنمية البلد وخلق فضاء رحب لتبادل الرؤى التي تخدم البلد والمواطنين أولا وأخيرا بعيدا عن التجاذبات السياسية والإيديولوجية المقيتة.
إن هذا الواقع جعلني أكون سعيدا ذات مرة بتصريحات وزير الاتصال الموريتاني في مؤتمر صحفي له مع مجموعة من الوزراء الموريتانيين بوزارة الاتصال، حين قال في رده على أحد الصحافة كان قد سأله عن إمكانية مقاضاة الدولة لمن تهجموا على المعارضة من خلال تقرير إخباري في وسيلة إعلام عمومية حيث قال "إن هذه الأخطاء الإعلامية هي أمر طبيعي وناتج عن عدم خبرتكم أنتم الصحافة، مضيفا أن الصحافة في موريتانيا تحتاج إلى التكوين ولذلك سيسعى إلى إنشاء معهد للإعلام بالمدرسة الوطنية للإدارة بهدف تكوين الصحافة حسب تعبيره".
كما جعلني أيضا أسعد أكثر بلقاء وزير الدفاع الموريتاني بالصحافة الموريتانية لمناقشة الكيفية التي يجب أن يتناول بها الإعلام قضايا الجيش.
ولأنني أتحفظ جدا على تصريحات وزير الاتصال هذه تماما كما أتحفظ على لقاء وزير الدفاع الموريتاني بالصحافة لما في الأولى من التستر على فضيحة إعلامية بينة ولا يمكن السكوت عليها والثانية من صبغ الإعلام بالصبغة العسكرية والإدلاء عليه برداء الدكتاتورية الهدامة، إلا أن السعادة التي غمرتني اتجاه هاتيتن القضيتين هو كوني أحس فعلا بخطر الإعلام ليس على الجيش أو على المعارضة أو على النظام، وإنما أحس بخطره على المواطن والمواطن فقط، وذلك لأن الإعلام – لمن لا يعلم – هو من يملك القوة الخارقة في التأثير على المجتمع وخصوصا في ظل ثورة المعلومات، بحيث أنه يقترض منه أن يكون المشكل الأساسي للأفكار والثقافات والضامن الأساسي للحفاظ على الهوية والمنمي الأول لملكة الوعي من خلال التبصير بالحاضر بناءا على تفسيره للماضي مما يمهد الطريق لرسم المستقبل المنشود بعد التنبؤ به، والأكثر من ذلك فهو قناة تماسك المجتمعات ووحدتها.
ومن هنا – ومن خلال هذه الرؤية المتواضعة للإعلام الموريتاني – فإنني لا  أعمم هذا التردي الإعلامي على جميع المؤسسات الإعلامية العاملة بالبلد، لأن التعميم قد ينجر عنه عدم الإنصاف، وذلك لأنه توجد أيضا بعض المؤسسات الإعلامية المحترمة – رغم قلتها - والتي تقوم بواجبها الإعلامي في جو التوازن والصدق والحياد والموضوعية، كما أنه من غير الإنصاف أن أقول أن كل الإعلاميين الموريتانيين غير متخصصين لأنه يوجد أيضا بعض الإعلاميين المتخصصين أو - على الأقل - خاضوا تجارب إعلامية ناجحة قدمت للمجتمع الجيد والمفيد رغم قلتهم أيضا.
كما أنني لا أحمل الإعلامي الموريتاني كل المسؤولية – بالرغم من أنه يتحمل الجانب الكبر منها – بقدر ما أحمل المواطن الموريتاني جانبا من المسؤولية في تردي الإعلام وهزالة مخرجاته وذلك لأنه – على الأقل - قبل بالأمر الواقع ورضخ له إن لم يكن ساهم - بشكل أو بآخر - في حصوله.
ولذا فإني ادعوا المواطن الموريتاني كما ثار في السابق على تردي الأوضاع المعيشية في البلد أن يثور أيضا في الوقت اللاحق على الإعلام في موريتانيا ثورة حقيقية ليس أقلها المقاطعة الكاملة له حتى يراجع وضعيته ويقوم بخطوات جادة نحو تغييره.
كما ادعوا الدولة – التي هي أيضا تتحمل جانبا أكبر من المسؤولية – إلى أن تسعى وبشكل جاد وسريع إلى العمل على النهوض بقطاع الإعلام وتطويره وأن تحشد مواردها وإمكانياتها لتكوين الإعلاميين الموريتانيين تكوينا حقيقيا حتى يتسنى لهم القيام بهمتهم الإعلامية على أكمل وجه.
كما ادعوا الدولة كذلك إلى فتح كلية للإعلام أو معهد - على الأقل- لتخريج كادر إعلامي متخصص قادر على النهوض بالإعلام، أن تحيط المؤسسات الإعلامية بالعناية التامة حتى تتخطى وضعيتها الحالية بما يضمن لها مزيدا من التألق والازدهار.
ولا أنسى هنا أن ادعوا جميع النقابات الصحفية الوطنية أن تنصب جهودها حول النهوض بالإعلام وأن تلعب دورها المنوط بها في ذلك.
وأيضا ادعوا جميع الإعلاميين إلى الوقوف مع أنفسهم وقفة محاسبة بهدف الوقوف على أخطائهم الإعلامية ومحاولة تصحيحها بعيدا عن التعنت والإصرار، وأن يتوبوا توبة نصوحا من تلك الأخطاء على نية عدم العودة إليها وأن يعقدوا العزم على رسم مسار إعلامي جديد يتأسس قدسية الخبر والحياد في تقديمه وحرية الرأي وفتح المجال واسعا لظهوره هذا مع العمل على أن تتربع الحقيقة على عرش المخرجات الإعلامية في المسار الجديد.
وأخيرا إن بلدا يئن تحت وطأة ثالوث الفقر والجهل والتخلف حري بنهضة إعلامية مرموقة تضمن له التنمية والتقدم والازدهار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق