بحث هذه المدونة الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات إعلام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إعلام. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 25 يوليو 2011

الإعلام إذ يزيل الاستبداد.. (تونس نموذجا) (الشيخ داداه ولد آباه)


ميز الأنظمة الشمولية عن تلك الدكتاتورية كون الأولى استفادت – عكس الأخيرة - من التطور التكنولوجي المعاصر، وخاصة المتعلق منه بالتطور الحاصل في وسائل الاتصال والإعلام المعاصر، حيث ركبت الأنظمة المذكورة ساعتها موجته، مكممة الأفواه ومتحكمة في آراء وأفكار الشعوب في سبيل تطويعها لخدمة أجندتها التسلطية المخزية ومن ثم التحكم في مصير شعوبها المغلوبة.
وكان المخلوع بن علي نجم الأنظمة الشمولية بامتياز من حيث تمسكه بأدبيات إيديولوجيا الاستبداد التي تعتبر الإعلام ركنا مكينا من أركانها لا يمكن التساهل فيه في أيحال من الأحوال.. وذلك بحيث أنه منذ توليه السلطة في العام 1987 والوضع الإعلامي بتونس يتسم بالانغلاق التام جراء سيطرة حكومته على جميع منافذ الإعلام متحكمة في أوردته وشرايينه.. بل وفي سبيل ذلك أيضا سخر الرئيس المخلوع كل أجهزة الدولة وإمكاناتها لفرض رقابة محكمة على الإعلام، فكانت مركزية الإشهار، والتحكم في التعيينات، وإسداء الأوامر للصحف، فضلا عن شيوع ظاهرة "المكلفين بمهمة" ممن يعينون داخل الصحف للرقابة عليها، كلها شواهد حية على مدى سيطرة بن علي على الإعلام وتوجيهه لخدمة أجندته القمعية والتسلطية.
وأيضا اعتمد النظام المذكور وسائل مختلفة في سبيل تحقيق طموحه في بسط سيطرة تامة على وسائل الإعلام في بلده تونس، وذلك من خلال إشاعة جو من الخوف العارم في ميدان الإعلام وتجفيف منابعه المالية وتضييق الخناق عليه بشكل لم يسبق له مثيل.. فضلا عن الرقابة على الإنترنت وحجب آلاف المواقع والصفحات الإلكترونية واعتقال وقمع الكثير من الصحفيين والمدونين بالإضافة إلى منع وسائل إعلام دولية(قناة الجزيرة مثلا) من تواجد مكاتب لها على الأراضي التونسية، كل هذا من أجل خدمة أجندة النظام ولضمان بقائه..
لكن وبعد هذا كله من إحكامه القبضة وبيد من حديد على الإعلام، كانت المفاجئة الكبرى هي أن يأتى بن على من قبل الإعلام بقيادة قناة الجزيرة إلى جانب مجموعة من الجنود المجهولين ممثلين في مدونين شجعان وعوا الخطر المحدق بوطنهم فاطلعوا بالمهمة الجسيمة فكانوا عند حسن ظن الشعب بهم.. أداروا المعركة ببسالة تامة وحنكة زائدة وخبرة أبهرت الكل، فكان أن أسقطوا جدار العار الذي ما فتئ الرئيس المخلوع يحيط به نفسه إحاطة السوار بالمعصم قبل أن يأتى من قبله وعلى حين غرة.. وحينها لم ينفع الفهم السقيم..
أجهزت قناة الجزيرة مشكورة مأجورة بإذن الله على نظام المخلوع بن علي.. واكبت الثورة ونقلت الحدث بكل مصداقية وجرأة رغم كل العوائق والعراقيل.. وسخرت كل إمكانياتها المادية والمعنوية لخدمة الانتفاضة الشعبية بتونس جنبا إلى جنب مع العشرات من المدوِّنين الذين تحدوا هم الآخرون كل الإجراءات الأمنية لنقل أخبار ثورة الياسمين إلى العالم... وما هي إلا أياما معدودات حتى ثبت المسمار الأخير في نعش نظام الدكتاتور المخلوع بن علي ليفر هاربا ذليلا ويكون بذلك عبرة وموعظة لمن يتعظ..
حينها برزت معالم نتيجة "إعلامية" جديدة (أقول "إعلامية" لأن نتائج ثورة الياسمين بتونس كثيرة ومتعددة الجوانب) خلصت إليها ثورة تونس المجيدة إلى جانب رسائل أخرى كنت قد ذكرتها في مقام آخر، وتقول النتيجة المذكورة بسقوط إيديولوجيا الاستبداد في ظل خسارتها لركيزتها الأساسية والتي تتمثل في الإعلام، وذلك بعد أن أصبح أصحابها عاجزين عن السيطرة على إعلام تشهد وسائطه الحديثة تطورا غير مسبوق في قدرتها على إدارة اللعبة وتطويعها لصالحها، وهي النتيجة التي على الأنظمة الشمولية في الدول العربية وغيرها من الدول الأخرى أن تعيها وتفهمها جيدا وأن تعمل بمقتضاها بل وأن تعدل عن أفكار شمولية باتت نذر انهيارها بادية للعيان إلى إشاعة جو من الديمقراطية الحقيقية ودعم الحريات العام بما فيها حرية الإعلام، تحقيقا لحق الشعوب في ذلك.
فالرقابة على الإنترنت وحجب المواقع الالكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي و منع التراخيص لوسائل الإعلام المستقلة وتضييق الخناق عليها باعتقال وقمع القيمين عليها كل ذلك لم يعد - فيما يبدوا لي على الأقل - الضامن الأساسي لبقاء هذه الأنظمة المخزية، بل على العكس أصبحت أساليب كهذه مدعاة للتغيير وأصبح الإعلام متحكم بعد أن كان متحكم فيه، وذلك بعد أن أصبحت الهواتف والمدونات و مواقع الفيسبوك وتويتر واليوتيوب وغيرهما تقدم بديلا إعلاميا ناجحا يتمتع بسقف عال من الحرية (حرية يتيحها لنفسه دون منة من أي أحد حاكما كان أو محكوما) ما جعله ينال ثقة كل الناس ويتحول إلى أحد أهم مصادرهم الإخبارية الرئيسية بما ينقله من معانات المظلومين وأناة المحرومين وأصوات المستضعفين، وهو الواقع الإعلامي الذي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك نهاية عقود التكميم والتسلط وبداية عصر الديمقراطيات والحريات العامة والانفتاح الإعلامي.

الأربعاء، 22 ديسمبر 2010

حول أخلاقيات الصحافة

الشيخ داداه ولد آباه

إن سمو مهنة الصحافة، وارتفاع مبناها ومعناها يرتبط أيما ارتباط بمدى سماكة "المسحة الأخلاقية" التي تزين شكلها ومضمونها.

والصحفي الذي يضع نفسه موضع المحكوم بقانون "الخلق الحسن" أثناء ممارسته لمهنته، يستطيع أن يقنع العقل ويرضي القلب بما ينسجه من معالجات إعلامية تأخذ شكلها الجمالي العام من قدرته البيانية، وحسه المهني والأخلاقي.

وإذا كانت الأخلاق هي "مجموعة من العادات والتقاليد، تحيا بها الأمم كما يحيا الجسم بأجهزته وغدده" طبقا لتعريف الشيخ محمد الغزالي لها، فإن أخلاقيات الصحافة هي مجموعة من الأخلاقيات والمبادئ  والمحددات،  تحيا بها الصحافة كما يحيا الجسم بأجهزته وغدده، وذلك لأن صحافة من دون أخلاق صحافة فاقدة لروحها الحقيقية وجوهرها المكنون.

ومن المعلوم بأن مصدر الإلزام في أخلاقيات الصحافة وفي غيرها من القوانين الأخلاقية الأخرى هو مراقبة الله جل وعلا، ثم الضمير المجرد والإحساس بالواجب، وكذلك القوانين الملزمة.

من هذه المنطلقات، وعلى هامش الملتقى الدولي الأول لنقابة الصحفيين الموريتانيين حول "أخلاقيات المهنة الصحفية" والذي شارك فيه بالإضافة إلى عشرات الصحفيين الموريتانيين، خبراء ومتخصصين من دول خارجية عدة، ساهموا إلى حد كبير في بلورة الأفكار المطروحة وتحويلها إلى مجموعة من الأخلاقيات من شأنها أن تسموا بمهنة الصحافة وأن تنزلها منزلتها اللائقة بها، لتبقى الكرة الآن في ملعب الصحفي نفسه.

أردت هنا أن لا أفوت الفرصة على نفسي دون أن أسجل بعض الخواطر التي تردني من حين لآخر حيال الموضوع ذاته، بالرغم من أنني لست صحفيا بمعنى التخصص، ولا حتى بمعنى التجربة العميقة، حيث أن تجربتي مازالت في طورها الابتدائي وقد لا تسعفني جدا في تقديم تصور شافي ووافي عن موضوع أخلاقيات الصحافة، وهو الشيء الذي جعلني اكتفي بتسجيل بعض الخواطر علها أن تثري حديثا أو تثير استشكالا أو تجيب على آخر، وذلك انطلاقا من شتات من المعارف كنت قد جمعتها من مصادر مختلفة، وتجربة ميدانية لا تزال قصيرة الأمد.

وأبدأ لأقول بأن الصحفي لا بد وأن يكون عنده رصيدا أخلاقيا فطريا حتى يستطيع أن يتأقلم مع أي أخلاقيات وضعية يراد لها أن تقود تجربته الإعلامية، أو أن تقومها كلما جنح أو مال به هواه إلى النقائص، وذلك من منطلق أن "من تطبع بغير طبعه نزعته العادة حتى ترده إلى طبعه" فـ"الطبع أمالك" كما يقال.

والتجارب الإعلامية الموريتانية كغيرها من التجارب في مختلف دول العالم العربي والغربي تحتاج إلى مسحة أخلاقية سميكة جنبا إلى جنب مع القوانين الوضعية الأخرى الناظمة للعمل الصحفي، لكي تضمن لنفسها القبول ومن ثم البقاء، وبالتالي على الصحفي أن يكون ذا خلق رفيع عموما وأن يتخلق بأخلاقيات الصحافة بشكل خاص حتى يستطيع أن يضيف "مسحة أخلاقية" - هي مصدر مصداقية مؤسسته الإعلامية ومكمن احترام الآخرين لشخصه الكريم، ومهنته الشريفة – إلى معالجاته الصحفية.

وتتأكد أهمية التحلي بأخلاقيات الصحافة كلما اتسعت المساحة المخصصة لحرية الرأي والتعبير، حيث ينبغي للصحفي أن يستغل المساحة المخصصة له فيما ينفع الناس من منطلق أنه حر ومسؤول في آن واحد.

والحرية ليست مطلقة بل لها حدودها التي تمتد لتنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، كما أن المسؤولية هي الزاد الحقيقي للصحفي باعتباره مسؤولا أمام الله عز وجل وأمام المجتمع، ويجب عليه أن يعامل نفسه انطلاقا من ذلك، بل ويتعامل مع المجتمع أيضا من نفس المنطلق، بحيث يكون جانب المسؤولية حاضرا لديه في كل الظروف المكانية والزمانية وأن تظهر بصمات الصحفي المسؤول في كل ما يقدمه للمجتمع من مواد إعلامية مهما كان نوعها.

ومهما كان للمجتمع الحق في الإعلام، وكانت الصحافة مدينة بالقيام بهذا الدور، فإن ذلك يستلزم أولا وأخيرا مراعاة المنظومة القيمية لدى للمجتمع المستهدف.

من جانب آخر فإنه من المعلوم بالضرورة أن أي إطار تشريعي ناظم للحقل الصحفي يظل قاصرا عن القيام بدوره مالم يعزز بإطار خلقي يكون بمثابة الحارس المكين الذي يحرس الصحفي من الوقوع في الأخطاء والزلات العظيمة.

وأخيرا أقول أنه إذا كانت عقوبة الذنب في الدنيا لا تقتصر على مرتكبيه فقط، بل أحيانا تعم لشمل آخرين معه، وذلك حين يتسبب ارتكاب الذنب في حبس القطر عن مجتمع معين بمجرد أن شخصا واحدا ارتكب ذنبا، فإن غياب الخلق لدى الصحفي أيضا قد لا تقتصر عقوبته على الصحفي اللاأخلاقي فقط، بل قد تعم العقوبة لتشمل جميع المنتسبين لها، وذلك حين تتسبب زلات وأخطاء صحفية خارجة عن إطار قوانين وأخلاقيات المهنة في كشف رداء الاحترام عنها، وبالتالي حرمان كل المنتسبين لها من مجرد التمتع بالامتيازات المعنوية للمهنة، كأن يبقى مجرد الانتماء للصحافة عار لا يصقله ماء البحر.

الثلاثاء، 2 نوفمبر 2010

نحو إعلام أكثر حرية وتطورا

الشيخ داداه ولد آباه
cheikhdadah85@gmail.com

رغم المشاكل العدة والحادة التي لا زالت تعاني منها الصحافة الموريتانية من قبيل، هشاشة القوانين المنظمة لقطاع الصحافة في موريتانيا - كنتيجة لـ"نسبية" الحرية المتاحة للإعلام في إطار تأديته لمهمته النبيلة - وصعوبة ولوج الصحفيين إلى مصادر الأخبار- بفعل الانفتاح النسبي جدا للمؤسسات العمومية الوطنية على وسائل الإعلام – فضلا عن غياب إستراتيجية وطنية جادة من شأنها الرفع من مستوى قدرة الإعلاميين الوطنيين على توجيه مقود الإعلام بما يخدم الوطن والمواطن... كل هذا وغيره من المشاكل الجمة التي يعاني منها الإعلام الوطني والتي كان لها انعكاس مباشر على مضمون وشكل الصحافة الموريتانية، إلا أنه وبالرغم مما ذكرنا يمكن القول أن مساحة حرية الإعلام في البلد عرفت فسحة بل تحسنا ملحوظا جعلها تحتل المرتبة الخامسة والتسعون عالميا، بل المرتبة الأولى مغاربيا، صاعدة بذلك - خلال عام واحد - عشر درجات نحو التحسن في مجال حرية الصحافة، كما أنه جعلها أيضا تحظى بشهادة هامة من منظمة مراسلون بلا حدود في تقريرها السنوي لهذا العام حول حرية الصحافة، في مائة وثمانية وسبعين دولة، تفيد بأنه "في ظل حدوث انقلاب عسكري في موريتانيا تم تلافي تداعياته بتنظيم انتخابات رئاسية، ظلت موريتانيا تتمتع بمستوى أفضل في مجال حرية الصحافة يفوق نظيره في باقي البلدان المغاربية"، وهو أمر يستحق منا الإشادة والتقدير وخصوصا إذا ما نظرنا إلى أهمية حرية الإعلام كمبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية، وأنها مناط التنمية والحكم الرشيد.
 
لكننا في ظل هذه النتيجة "المقبولة" وهذا الترتيب "الحسن" بل ومن أجل أن يظل الإعلام الوطني يرتقي سلم الصعود بشكل أسرع، ارتأيت هنا – باعتباري أحد المتطفلين على "سخيله" - تقديم رؤية صريحة ومشفقة للمعنيين بقطاع الإعلام، من جهات مسؤولة، وصحافة عاملة، بهدف الدفع بالإعلام نحو مزيد من التقدم والازدهار، وتتلخص هذه الرؤية في ما يلي:
• أولا: على الصحافة أن تلتمس الحقائق وتلتزم بها وتتسم بالصدق والدقة بعيدا عن التحريف والتضخيم، فالمبالغات الزائدة من قبل الصحافة قد تؤدي إلى نتائج عكسية في المجتمع، كما أن الشفافية هي المعيار المناسب للحكم على مصداقية الصحافة.
وأيضا على الصحف والمواقع الالكترونية أن يتبنوا القضايا الوطنية بمزيد من الموضوعية والحياد بعيدا عن التهويل والمزايدات، وأن يجعلوا منطلقهم العام في ذلك خدمة المصالح العامة بعيدا عن المصالح الفئوية الخاصة.. وخدمة التنمية المحلية بعيدا عن محاولات التشويش.. كما أن عليها أيضا تترفع عن التوظيف الفكري للقضايا والوقائع، وأن تتعامل بمسؤولية أكبر مع مستوى الثقة التي يمنحها لها المواطن البسيط وأهل الشأن والرأي، حتى تؤدي دورها المنوط بها، من تنمية الوعي المجتمعي وتثقيف الرأي العام وتوجيهه، فضلا عن استقصاء جميع نواحي الفساد والسعي إلى تحجيمها، وأن لا تنسى أو تتناسى أن مناط ذلك كله التمتع بالمصداقية والمصداقية فقط.

• ثانيا: على الجهات المعنية ما يلي:
1- إلغاء كل المواد التي من شأنها تقييد الإعلام كالتي تجيز الرقابة القبلية على الصحف ومصادرتها أو حظر صدورها.
2- إلغاء كل البنود التي قد تفرض قيودا على الحريات العامة من قانون السمعيات البصرية في موريتانيا الذي أجيز بعد أشهر من الآن من طرف البرلمان الموريتاني، ومراجعة تلك التي قد تمنح الحكومة سلطة تقديرية تخولها تحديد شروطا – قد تكون مجحفة - تمنح على أساسها التراخيص للجمعيات والمنظمات الراغبة في فتح إذاعات ومحطات إعلامية.
3- إلغاء بند حبس الصحفيين على القضايا المتعلقة بالنشر.
4- تقديم الدعم اللازم لقطاع الصحافة حتى يستطيع أن يطلع بدوره المنوط به.
5- تفعيل السياسة التكوينية، التي أعلن عنها في وقت سابق من طرف الجهات المعنية بإصلاح قطاع الصحافة، والهادفة - بحسب المعنيين - إلى الرفع من أداء الصحفيين الموريتانيين، وذلك من خلال تقديم دورات متخصصة تحسن من أدائهم الإعلامي، إضافة إلى فتح - وبشكل فعلي - قسم للصحافة بالمدرسة الوطنية للإدارة يكون قادرا على استقبال وتكوين الصحفيين من حيث قدرته الاستيعابية، واحتوائه على المعدات اللازمة، فضلا عن وضع معايير شفافة ونزيهة لاختيار المكونين والمتكونين في آن واحد.
6- أن تزن السلطات التنفيذية الأمور المتعلق بقضايا النشر والإعلام بموازين العدل، لا أن تظل تكيل التهم جزافا للصحافة دون أدنى دليل، وأن تغلب في ذلك منطق تحقيق المصالح المشتركة لا منطق المصالح الخاصة كتلميع صورتها مثلا.
وأخيرا أقول أن على الصحافة أن تساعد في ترشيد القرار الوطني - مهما كان سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا - إذا ما تثبتت وأدركت أبعاد كل قضية أرادت أو تريد نشرها، لكنها في الوقت نفسه معنية أولا وأخيرا بإيصال الأصوات المحرومة والمهمشة إلى حيث ينبغي أن تصل.
وبين هذا وذاك يظل الإعلام قوة تؤثر على سلوك البشر، وتلعب دورا في الحياة السياسية والاجتماعية، وتستطيع الإطاحة برؤساء دول، وتغيير سياسات حكومات.

الأحد، 1 أغسطس 2010

الإعلام الموريتاني وحالة الاستثناء..

الشيخ داداه ولد آباه
cheikhdadah85@gmail.com


إنه لمن من المنصف أن نعترف بوجود تجارب إعلامية وطنية "مرموقة" لبت إلى حد ما مطلب القارئ الموريتاني المتمثل في وجود إعلام وطني قادر على نقل الحدث الدائر، الوطني منه، والإقليمي بل وحتى الدولي، وأن يقدم مقاربات وتفسيرات لذلك الحدث تعتمد الواقعية والموضوعية، والحياد، بعيدا عن النمطية المخلة، والروتين المقزم، كل ذلك من أجل خدمة القارئ لاغير، وجعله يعيش الحدث كما لو كان شاهد عيان.
 
كما أنه ليس من المبالغة إذا قلنا بوجود تجارب إعلامية وطنية أكثر من ناضجة استطاعت أن تزاحم الميدان الإعلامي وترمي بثقلها فيه، في مسعى حثيثا منها نحو رسم مسار "النهضة" الإعلامية الوطنية، متسلحة في سبيل ذلك بثنائيات، التضحية والبذل، الإخلاص و الإتقان، تعميق التجارب واكتساب المهارات، لتطويع العراقيل وتذليل العوائق التي لا يسلم منها مرتادي هذا الميدان المحفوف بالمكاره، فكان لهذه التجارب الإعلامية – من خلال ما ذكرنا - أن أحدثت نهضة إعلامية غير مسبوقة يمكن وصفها بأنها أسست على "الصلصال المتين وليس على الرمال المتحركة" فسايرت – إلى حد ما - التطور الحاصل في وسائل الإعلام وفي أساليب العملية الإعلامية نفسها، كما أنها حققت - إلى حد ما - التميز الإعلامي المنشود،  من حيث أنها امتلكت الشجاعة في الصدع بالحق، وطرق بعض الملفات الحساسة بأمانة وحياد دون محاباة لأحد مهما كان سلطة متسلطة، أو مسؤولا رفيعا، أو تاجرا كبيرا، أو حتى فئة أو مجموعة معينة حاولت أو تحاول التأثير على رسالتها الإعلامية بشكل أو بآخر، فأمتعت من خلال ثالوث الإخبار الصادق والتثقيف النبيل والتربية الإسلامية، قارئها النهم، وهو الثالوث نفسه الذي ساقها إلى رسم طريقها نحو التميز والنجاح، هذا إذا ما أنضاف إلى ذلك ما تقوم به من دعوة إلى الله وتبشير بالحل الإسلامي و تنوير للرأي العام وإمداده بالحقيقة "الحقة" مهما كان ثمنها.
لكن ورغم كل هذه النجاحات السالفة لا تزال التجارب الإعلامية الوطنية عموما تعيش حالة استثناء جعلتها عاجزة عن تحقيق التميز المنشود الذي يطمح إليه القيمين عليها من جهة ويرنوا له القارئ من جهة أخرى، وذلك لأن إعلامنا الوطني لا يزال يعمل في ظروف يمكن وصفها بـ"الاستثنائية" وعلى وقع "الاجتهاد الإعلامي"، ففضلا عن كونه تحفه المكاره من كل جهة، من قانون مقيد، ورقابة مفرطة من أصحاب السلطة والنفوذ، يواجه أيضا عائقا آخر يتمثل في ندرة المتخصصين في مجال الإعلام - كنتيجة طبيعية لانعدام المؤسسات الأكاديمية المتخصصة في تدريس علوم الإعلام في البلد – مما جعل الإعلام الوطني يعتمد في اختيار عناصره على معايير، القابلية والهواية والموهبة، الشيء الذي جعلنا نقول بـ"حالة الاستثناء" التي يعيشها إعلامنا الوطني منذ نشأته وحتى الآن.
ففي وطننا الذي يخلوا من أي مؤسسة أكاديمية لتدريس علوم الإعلام تحولت كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بحكم اللغات التي تدرس –  العربية و لفرنسية – إلى رافد أساسي للإعلاميين الموريتانيين بالرغم من خلو مقرراتها من أي وحدة بل وحتى مادة لها علاقة بعلم الإعلام، إلا ما كان من عناصر تتعلق بالنحو أو الصرف إذا ما اعتبرنا اللغة وسيلة من الوسائل لتي لا غنى للصحفي عنها للقيام بمهمته الإعلامية، كما احتلت مؤسسات أخرى ككلية العلوم القانونية والاقتصادية والمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية المرتبة الثانية من حيث ولوج خريجيها لمجال الصحافة في موريتانيا هذا فضلا عن خريجي الثانويات والمحاظر الموريتانية، ممن لم يتحصلوا بعد على شهادات أكاديمية.
إن هذا الواقع المزري لإعلامنا الوطني جعله يرزح ليس فقط تحت وطأة "حالة الاستثناء" وإنما تحت معول ما اصطلحت على تسميته بـ"الاجتهاد الإعلامي"، الذي تظهر بصماته جلية في مخرجاته الإعلامية، بمعنى أن أغلب ما تطالعنا به الصحف والمواقع الالكترونية من مخرجات إعلامية تخلوا من اللمسة التخصصية في مقابل غلبة اللمسات الاجتهادية المتعثرة والبعيدة كل البعد عن المعايير المعتمدة في التحرير الصحفي من حيث هو فنا له أسسه وقواعده التي تشكل قوالبه المعتمدة في مختلف وسائل الإعلام العالمية وتلزم محرريها باعتمادها كقوالب لا يمكن تجاوزها أو التنكر لها في هذا المجال.
كما أن المتابع لبعض صفحات إعلامنا الوطني سيلاحظ بلاشك ذلك التردي الإعلامي المضطرد رغم كل الجهود المبذولة للحد منه من قبل النقابات الصحفية وأيضا الجهات الرسمية الوصية من خلال ما قدمته هذه الهيئات من دورات تكوينية للصحافة العاملة، تذكر فتشكر، والتي تريد من خلالها الرفع من أدائها إلا أن شيئا من ذلك لم يحصل حتى الآن، فلا يزال القارئ المواكب لمخرجات وسائل الإعلام الوطنية يجد صعوبة في التمييز بين الخبر والإعلان والتحقيق والرأي التقرير والاستطلاع على صفحات وشاشات إعلامنا الوطني، بمعنى أنه في بعض الأحيان يظهر على صفحات وشاشات إعلامنا الوطني إعلانا تجريا في ثوب خبر رغم أن الأخير يفترض أن يكون محايدا ومهنيا وبعيدا كل البعد عن الإشهار ونحوه، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على عموم القوالب الصحفية الأخرى من تقارير وتحقيقات وغيرها.
ومن هنا أؤكد حقيقة كنت قد ذيلت بها مقالا كتبته منذ أسابيع  تحت عنوان "الإعلام الموريتاني المقروء.. رؤية من الداخل" والذي يأتي هذا المقال تكملة له، تقول: إن بلدا يئن تحت وطأة ثالوث الفقر والجهل والتخلف حري بنهضة إعلامية مرموقة تضمن له التنمية والتقدم والازدهار.
وأضيف الآن حقيقة ثانية مفادها "أن تلك النهضة الإعلامية المرموقة لن تكون إلا بتكامل تام بين جهود الدولة باعتبارها الوصية على الصحافة والمؤسسات الإعلامية العاملة بالبلد، بحيث تولي الأولى عناية خاصة بالصحافة من حيث الدعم المالي والتكوين وفتح المجال واسعا أمامها للوصول إلى مصادر الأخبار، فيما تحترم الثانية نفسها من حيث اختيار الكفاءات واعتماد المهنية الحقة في ما تقدمه من مواد إعلامية".  

الأحد، 13 يونيو 2010

الإعلام الموريتاني المقروء.. رؤية من الداخل

الشيخ داداه ولد آباه
cheikhdadah85@gmail.com


يعول المواطن الموريتاني في الوصول إلى المعلومة والوقوف على حيثياتها، على عشرات الصحف اليومية "المستقلة" والمواقع الالكترونية الأكثر "استقلالية" والتي تقدم خدمة إخبارية يرى القائمون عليها أنها تعتمد في صناعتها "الصدق" و "الحياد" و "الموضوعية" و "المهنية" بعيدا عن الميولات السياسية والإيديولوجية وتغليب الهوى، شأنهم في ذلك خدمة الوطن والمواطن بشكل عام والنهوض بالإعلام الموريتاني بشكل خاص، وذلك طبقا لتعريفات الصحافة المتعارف عليها باعتبارها مهنة البحث عن الحقائق ونشرها بطريقة رشيدة تنفع المجتمع وتنميه.
 
ولأن الأمر الواقع - على ما يبدوا لي - مختلف تماما عما كان يجب أن يكون عليه الإعلام الموريتاني المستقل اليوم، في ظل تطور وسائل الاتصال واحتكارها لسلطة التأثير في شريحة عريضة من المجتمع كان لا بد لي أن أقف – ولو وقفة بسيطة - مع الإعلام الموريتاني المستقل لإبراز حقيقته "المرة" والتنبيه على خطورة وضعه الحالي مساهمة مني في تنوير المجتمع الموريتاني الذي يتفرج عن كثب على إعلام تتحكم فيه بشدة ثنائية "الهوى" و"الزبونية"، دافعه في ذلك شغف البحث عن المعلومة الممزوج بحسن النية.
إن نظرة بسيطة إلى الإعلام الإلكتروني في موريتانيا – وما جعلني أخص الإعلام الإلكتروني عن الورقي لأن الأخير يعتمد بشكل أساسي على الأول أي أن الإعلام الورقي ما هو إلا نسخة طبق الأصل من الإعلام الإلكتروني – سيلحظ وبجلاء ما أريد أن أتحدث عنه من تحكم لثنائية الهوى والزبونية في هذا الإعلام الوليد، بحيث أن الإعلام "المستقل" في موريتانيا بات يخدم هوى القائمين عليه وانتماءاتهم السياسية والإيديولوجية الضيقة أكثر من خدمته للمواطن الذي أصبح حائرا بين معسكرات إعلامية – إذا صح التعبير – لا حصر لها.
منها الإعلام "النظامي" - أي الناطق باسم النظام – الذي لا يقدم من الأخبار والتقارير ولا حتى مقلات الرأي إلا ما يخدم "النظام الحاكم" ويروج لسياساته وحكمه "الرشيد"، وذلك بطريقة سافرة - للأسف- لم تعد تخفى على المواطنين الأغبياء أو "المتبهللين" على لغة بني حسان، أحرى أن يخفى عن ذوي البصائر، وفي مقابل هذا الخدمة المجانية التي يقدمها للنظام الحاكم تراه أيضا يصف المعارضة بأتفه الأوصاف ويصورها بأنها غول يريد أن يبتلع الدولة والمجتمع حتى تبقى أثرا بعد عين.
 ومنها الإعلام "المعارض" الذي لا يتورع من تسفيه أحلام النظام الحاكم في بناء الدولة والحكم الرشيد ورئاسة الفقراء - هذا إن اعترف له أصلا بوجود تلك الأحلام – وفي مقابل ذلك أيضا يسعى إلى وصف المعارضة بأنها الرقيب المتفاني والناصح الأمين والمخلص الأبدي من ويلات الاستبداد وسوء التسيير وما إلى ذلك من الأوصاف..
وفي خضم هذا الانتماء السياسي يأتي الانتماء الإيديولوجي الذي يزيد هو الآخر من هذا التقسيم ويوسع دائرة الهوية بين المؤسسات الإعلامية والمواطن مضيفا في الوقت نفسه تقسيمات جديدة للتقسيمات السالفة، بحيث تجد الإعلام الإسلامي والإعلام القومي، البعثي والناصري...إلخ
وبين هذه التقسيمات السياسية والإيديولوجية تضيع الحقيقية ويغيب الإعلام الموريتاني "المفترض" القائم على الصدق والحياد والموضوعية والمهنية ليبقى المواطن هو الضحية.
وبالتالي اصبح بإمكاننا القول بغياب "الحقيقية" وانعدام أثرها في مخرجات إعلامنا اليوم - وهذه حقيقية يجب أن يقر بها كل إعلامي موريتاني – كما يمكن القول أيضا بغياب الحياد والموضوعية والمهنية في التطبيقات والمعالجات الإعلامية.
وللتنويه فأنا لا أعارض أن تكون للمؤسسات الإعلامية في موريتانيا - وفي غيرها من دول العالم - هوية أو انتماء سياسيا أو إيديولوجيا وإنما الذي أعارضه هو أن تكون هذه الهوية على حساب الحقيقية.

إن الإعلام الموريتاني اليوم - وهذه حقيقة مرة – يمكن وصفه بأنه لعبة خطرة في يد "أطفال" مدللين، يلعبون بها بطريقة أقرب إلى اللعب بالنار منها إلى معالجات إعلامية هامة ومهمة، ولذلك هم مهرة في صناعة الأخبار الكاذبة ليتهجموا بها أحيانا على من شاءوا من عباد الله وبدون استحياء لا من الله ولا من الناس، وفي أحايين أخرى من أجل الترويج لهذه الفئة أو تلك.
والغريب في الأمر أن بعض الإعلاميين يدفعه الفضول إلى اختلاق أخبار كاذبة، فقط لأن مصادره الإخبارية – إن كانت موجودة أصلا – لم تسعفه في ذلك اليوم بخبر جديد وأحيانا أخرى بحجة الجري وراء السبق الإعلامي.
وليس ذلك فقط بل من المؤسسات الإعلامية من لا تتحرز من المساهمة في  تزوير التاريخ من خلال نشر بعض المقالات الكاذبة والمليئة بالمغالطات – هذا إذا كانت تخدم هويتها وفكرها وانتماءها السياسي – وذلك لأن الفكرة في نظر تلك المؤسسات الإعلامية - أو علة الأقل بعض القيمين علها - تجب خدمتها ولو بالكذب والتملق والتزوير، وليس هذا فقط بل تسعى بعض المؤسسات الإعلامية إلى التعتيم على كل الأخبار والمقالات التي تخدم جهة غير تلك التي تتبع لها هذه المؤسسة مخالفين بذلك مبدأ حرية الإعلام ومجهزين على ضرورة الانفتاح الإعلامي بما يخدم تنمية ورقي البلد.
إن وجود هذا النوع من الإعلام "الاستنساخي" أو إعلام "ملء الفراغ" أو الصحافة "الصفراء" أو "البشمركة" - سميه ما شئت - قد يكون طبيعيا - شيئا ما – إذا ما تعلق الأمر ببلد لا توجد به ولو كلية واحدة للإعلام وجل القائمين على مؤسساته الإعلامية هم من غير المتخصصين في هذا الفن بل مجرد حثالة من البشر احترفت الاقتيات من الإعلام وركوب أمواجه بحثا الشهرة والمنصب والجاه.
إن هذا الواقع المتردي للإعلام الموريتاني اليوم يجعل من المهم جدا الحديث أو المبادرة إلى إنشاء معهد أو كلية للإعلام في موريتانيا تعمل على تكوين الإعلاميين الموريتاني الحاليين وتخريج أطر إعلامية لاحقة قادرة على النهوض بالإعلام باعتباره نبض المجتمع ومرآته العاكسة، الشيء الذي سيساهم - بلاشك - في تنمية البلد وخلق فضاء رحب لتبادل الرؤى التي تخدم البلد والمواطنين أولا وأخيرا بعيدا عن التجاذبات السياسية والإيديولوجية المقيتة.
إن هذا الواقع جعلني أكون سعيدا ذات مرة بتصريحات وزير الاتصال الموريتاني في مؤتمر صحفي له مع مجموعة من الوزراء الموريتانيين بوزارة الاتصال، حين قال في رده على أحد الصحافة كان قد سأله عن إمكانية مقاضاة الدولة لمن تهجموا على المعارضة من خلال تقرير إخباري في وسيلة إعلام عمومية حيث قال "إن هذه الأخطاء الإعلامية هي أمر طبيعي وناتج عن عدم خبرتكم أنتم الصحافة، مضيفا أن الصحافة في موريتانيا تحتاج إلى التكوين ولذلك سيسعى إلى إنشاء معهد للإعلام بالمدرسة الوطنية للإدارة بهدف تكوين الصحافة حسب تعبيره".
كما جعلني أيضا أسعد أكثر بلقاء وزير الدفاع الموريتاني بالصحافة الموريتانية لمناقشة الكيفية التي يجب أن يتناول بها الإعلام قضايا الجيش.
ولأنني أتحفظ جدا على تصريحات وزير الاتصال هذه تماما كما أتحفظ على لقاء وزير الدفاع الموريتاني بالصحافة لما في الأولى من التستر على فضيحة إعلامية بينة ولا يمكن السكوت عليها والثانية من صبغ الإعلام بالصبغة العسكرية والإدلاء عليه برداء الدكتاتورية الهدامة، إلا أن السعادة التي غمرتني اتجاه هاتيتن القضيتين هو كوني أحس فعلا بخطر الإعلام ليس على الجيش أو على المعارضة أو على النظام، وإنما أحس بخطره على المواطن والمواطن فقط، وذلك لأن الإعلام – لمن لا يعلم – هو من يملك القوة الخارقة في التأثير على المجتمع وخصوصا في ظل ثورة المعلومات، بحيث أنه يقترض منه أن يكون المشكل الأساسي للأفكار والثقافات والضامن الأساسي للحفاظ على الهوية والمنمي الأول لملكة الوعي من خلال التبصير بالحاضر بناءا على تفسيره للماضي مما يمهد الطريق لرسم المستقبل المنشود بعد التنبؤ به، والأكثر من ذلك فهو قناة تماسك المجتمعات ووحدتها.
ومن هنا – ومن خلال هذه الرؤية المتواضعة للإعلام الموريتاني – فإنني لا  أعمم هذا التردي الإعلامي على جميع المؤسسات الإعلامية العاملة بالبلد، لأن التعميم قد ينجر عنه عدم الإنصاف، وذلك لأنه توجد أيضا بعض المؤسسات الإعلامية المحترمة – رغم قلتها - والتي تقوم بواجبها الإعلامي في جو التوازن والصدق والحياد والموضوعية، كما أنه من غير الإنصاف أن أقول أن كل الإعلاميين الموريتانيين غير متخصصين لأنه يوجد أيضا بعض الإعلاميين المتخصصين أو - على الأقل - خاضوا تجارب إعلامية ناجحة قدمت للمجتمع الجيد والمفيد رغم قلتهم أيضا.
كما أنني لا أحمل الإعلامي الموريتاني كل المسؤولية – بالرغم من أنه يتحمل الجانب الكبر منها – بقدر ما أحمل المواطن الموريتاني جانبا من المسؤولية في تردي الإعلام وهزالة مخرجاته وذلك لأنه – على الأقل - قبل بالأمر الواقع ورضخ له إن لم يكن ساهم - بشكل أو بآخر - في حصوله.
ولذا فإني ادعوا المواطن الموريتاني كما ثار في السابق على تردي الأوضاع المعيشية في البلد أن يثور أيضا في الوقت اللاحق على الإعلام في موريتانيا ثورة حقيقية ليس أقلها المقاطعة الكاملة له حتى يراجع وضعيته ويقوم بخطوات جادة نحو تغييره.
كما ادعوا الدولة – التي هي أيضا تتحمل جانبا أكبر من المسؤولية – إلى أن تسعى وبشكل جاد وسريع إلى العمل على النهوض بقطاع الإعلام وتطويره وأن تحشد مواردها وإمكانياتها لتكوين الإعلاميين الموريتانيين تكوينا حقيقيا حتى يتسنى لهم القيام بهمتهم الإعلامية على أكمل وجه.
كما ادعوا الدولة كذلك إلى فتح كلية للإعلام أو معهد - على الأقل- لتخريج كادر إعلامي متخصص قادر على النهوض بالإعلام، أن تحيط المؤسسات الإعلامية بالعناية التامة حتى تتخطى وضعيتها الحالية بما يضمن لها مزيدا من التألق والازدهار.
ولا أنسى هنا أن ادعوا جميع النقابات الصحفية الوطنية أن تنصب جهودها حول النهوض بالإعلام وأن تلعب دورها المنوط بها في ذلك.
وأيضا ادعوا جميع الإعلاميين إلى الوقوف مع أنفسهم وقفة محاسبة بهدف الوقوف على أخطائهم الإعلامية ومحاولة تصحيحها بعيدا عن التعنت والإصرار، وأن يتوبوا توبة نصوحا من تلك الأخطاء على نية عدم العودة إليها وأن يعقدوا العزم على رسم مسار إعلامي جديد يتأسس قدسية الخبر والحياد في تقديمه وحرية الرأي وفتح المجال واسعا لظهوره هذا مع العمل على أن تتربع الحقيقة على عرش المخرجات الإعلامية في المسار الجديد.
وأخيرا إن بلدا يئن تحت وطأة ثالوث الفقر والجهل والتخلف حري بنهضة إعلامية مرموقة تضمن له التنمية والتقدم والازدهار.

الاثنين، 15 فبراير 2010

وداعا حرية الصحافة..!!

الزميل حنفي.. سجنوك لأنك آليت على نفسك أن لا تساوم في أرائك، سجنوك لما لمسوه فيك من استعداد لأن تدفع ثمن مواقفك، سجنوك لأنك قلم حق يصعب تكسيره أو النيل منه، سجنوك لأنك شخص يأبى الخنوع والركوع، سجنوك لأنك صحفي مستقل، متمرس، ومهني، صادق في أقوالك، سمحا في أفعالك، ثابت في مواقفك
نعم سجنوك عمدا وأطالوا سجنك قصدا من خلال ما يقارب سبعة  أشهر من الحبس التحكمي، أثبت من خلالها رجولتك الحقة، وشجاعتك الفريدة وشهامتك الفذة، باختصار أثبتت أن لا سبعة أشهر من الحبس التحكمى ولا البقاء في السجن لسنين أخريات يمكنها أن تغير شيئا من مواقفك الجديرة بالاحترام والتقدير، أو أن تجدي نفعا في عدم انحنائك أمام ترغيب السلطة أو ترهيبها، وإنما هو ثبات على الحق حتى يأتي الله بفرج قريب..
نعم سجنوك، وسجنوك وقد لا يستحون من إعادتك للسجن مرة أخرى حتى ولو كنت  قد أكملت مدة الحكم الظالم الذي صدر في حقك والذي جاء ليؤكد جور ما سبقه من أحكام.
نعم سجنوك وسجنوك.. ولا أدري فقد يكونون في صدد التخطيط والتلفيق لسجن آخرين من زملائك الصحفيين والكتاب وأصحاب الرأي وغيرهم، فهم باختصار سجنوك ليرسلوا رسالة من خلالك مفادها "أن لا مكان في هذا الوطن من الآن لأصحاب الأقلام الحرة والمواقف المناهضة والرأي المخالف.
نعم، قد تكون رسالتهم وصلت.. لكن لا أنا الطليق في بلدي حتى الآن، ولا أنت الحر في سجنك رغم انف سجانيك، ولا العديد من أمثالنا من الذين لم يتباروا يوما في فهم رسائل السلطة والعمل بمقتضاها، سنستسلم لهذا الواقع المخجل أو نرضى بان نظل أسرى لهذا النوع من الرسائل القذرة، بل سنظل ننافح عن حقنا في أن نتكلم بحرية، في أن نكتب بجرأة، في أن نتخذ موقفا نراه مناسبا، ورأيا نراه صوابا وغيره خطأ.
نعم، سجنوك من خلال فبركة - من جديد - داخل محكمة تحكم وتستأنف لترضي السلطان، لأنها ببساطة لم توفق أو لم يحالفها الحظ في أن يوافق حكمها السابق – على الأقل - ما يفكر به السلطان أو يتمناه أو يريده.. بالتالي جاء الحكم عليك - بعد ألف تلفيق وتلفيق – مضاعفا، أي بسنتين نافذتين، لكن لا عليك، فمشكلتي وإياك وغيرنا كثير أننا ننتمي لوطن "عزيز" ولدولة "عزيزة"، باتت في الآونة الأخيرة تتجه نحو "العسكرة" - إن صح التعبير- والدكتاتورية المكشوفة، وهو ما يثبته إنشاء ثانوية عسكرية – إن لم تتحول في المستقبل القريب إلى ثانويات – لا لبث العلم في قلوب رجال هذا الوطن ولا لتربية نشئه على الدفاع عن الوطن، لا.. وإنما لعسكرة الدولة الوليدة - وعسكرتها فقط - وإجلاء الصورة المدنية التي تظهر بها - على استحياء - منذ بداية نشأتها، هذا إضافة إلى ما باتت تطالعنا به القيادة من قرارات وتصريحات تشتم منها رائحة الأحادية، (خطاب روصو إبان تدشين معهد العلوم التكنولوجية) والانتقائية، (ملف رجال الأعمال الموريتانين) والانتقام (سجن الزميل حنفي)، وهي قرارات أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها تؤشر بشكل واضح المعالم إلى تأكيد مبدأ "عسكرة الدولة"، وتمهد لقيام نظام دكتاتوري يجعل من قمع الصحافة - على الأقل - وتكميم بل وتكسير وسائلها أسلوبا جديدا في إدارة الحكم.
فنعم، سجنوك ليقولوها بصراحة لا شيء تغير في القضاء الموريتاني حتى الآن، فقد ظل وسيظل يرزح تحت وطأة اختلالات تستنسخ نفسها يوما بعد يوم، وقد ظل وسيظل أداة جائرة مسلطة على رقاب المواطنين..
ونعم سجنوك ليقولوها بصراحة، وداعا لحرية التعبير، وداعا لحرية الرأي، ودعا لحرية الصحافة وداعا.. ووداعا.. ووداعا.